ابن الجوزي

250

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

كثير النشوار في درسه ، سهل الأخلاق ، روى عنه شيوخنا ، وعانى الفقر في طلب العلم ، فربما استضوأ بسراج الحارس . وحكى عنه أبو الوفاء ابن عقيل أنه قال : كان لي من الحرص على الفقه في ابتداء أمري أني كنت آخذ المختصرات وأنزل إلى دجلة أطلب أفياء الدور [ 1 ] الشاطئية والمسنيات ، فأنظر في الجزء وأعيده ، ولا أقوم إلا وقد حفظته ، وفأدّى بي السعي إلى مسناة الحريم الطاهري ، فجلست في فيئها الثخين ، وهوائها الرقيق ، واستغرقني النظر ، فإذا شيخ حسن الهيئة قد اطلع علي ، ثم جاءني بعد هنيهة فراش فقال : قم معي . فقمت معه حتى جاء بي إلى باب كبير وعليه جماعة حواش ، فدخل بي إلى دار كبيرة وفيها دست مضروب ليس فيها أحد ، فأدفاني منه فجلست ، وإذا بذلك الشيخ الَّذي اطلع علي قد خرج فاستدناني منه ، وسألني عن بلدي فقلت : دامغان ، وكان عليّ قميص خام وسخ وعليه آثار الحبر ، فقال : ما مذهبك ، وعلى من تقرأ ؟ فقلت : حنفي ، قدمت منذ سنين وأقرأ على الصميري ، وابن القدوري . فقال : من أين مؤنتك ؟ قلت : لا جهة لي أتمون 121 / ب منها . فقال : ما تقول في مسألة كذا وكذا [ 2 ] من الطلاق ؟ وبسطني ثم قال : تجيء كل خميس إليّ ها هنا . فلما جئت أقوم أخذ قرطاسا وكتب شيئا [ ودفعه إليّ ] [ 3 ] وقال : تعرض هذا على من فيه اسمه وتأخذ [ 4 ] ما يعطيك . فأخذته ودعوت له ، فأخرجت من باب آخر غير الَّذي دخلت منه ، وإذا عليه رجل مستند إلى مخدة ، فتقدمت [ إليه فقلت ] [ 5 ] : من صاحب هذه الدار ؟ فقال : هذا ابن المقتدر باللَّه . فقال : فما معك ؟ فقلت : شيء كتبه لي . فقال : بخطه ، أين كان الكاتب ؟ فقلت : على من هذا ؟ فقال : على رجل من أهل باب الأزج : عشر كارات دقيق سميد فائق ، وكانت الكارة تساوي ثمانية دنانير ، وكتب لك بعشرة دنانير . فسررت ومضيت إلى الرجل ، فأخذ الخط ودهش ، وقال : هذا خط مولانا الأمير . ، فبادر فوزن الدنانير وقال : كيف تريد الدقيق ؟

--> [ 1 ] في الأصل : « أتقيا البيوت » [ 2 ] « وكذا » سقطت من ص ، ت . [ 3 ] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل . [ 4 ] في ص : « وخذ » . [ 5 ] ما بين المعقوفتين سقط من الأصل .